التضخم والحصار يدفعان الإيرانيين إلى شراء الغذاء بالتقسيط
بعد نحو ستة أشهر على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بدأ سكان طهران بالاعتماد على خطط الدفع بالتقسيط لتأمين المواد الغذائية الأساسية. ويعد اقتصاديون هذا التحول مؤشراً على انتقال الأزمة الاقتصادية في البلاد إلى مستوى جديد.
وفي أنحاء العاصمة، ظهرت إعلانات في واجهات المتاجر تعرض شراء البقالة عبر الائتمان أو التقسيط من دون فوائد. وكانت هذه الطريقة تُستخدم في السابق لشراء السلع المعمّرة مثل الأثاث والأجهزة الكهربائية، قبل أن تمتد الآن إلى احتياجات الغذاء اليومية.
الأزمة الاقتصادية تصل إلى موائد الإيرانيين
قالت نازانين، وهي سيدة أعمال تبلغ 56 عاماً وتعيش في طهران، إن شركتها التي تمتد خبرتها لأكثر من عشر سنوات لم تواجه من قبل ظرفاً اضطرتها فيه إلى الاقتراض من أجل شراء الطعام.
وأوضحت أن هناك أياماً تمر عليها من دون أي مال، وأن إمكانية شراء احتياجاتها الغذائية الأسبوعية بالتقسيط تساعدها كثيراً.
وتفاقمت الضغوط الاقتصادية بفعل الحرب، مع تراجع قيمة الريال الإيراني بنحو 30% منذ بداية العام. وفي الوقت نفسه، بلغ التضخم في قطاع الغذاء والمشروبات 128.1%، بحسب المركز الإحصائي الإيراني.
وسجلت أسعار الزيوت النباتية ارتفاعاً بنسبة 261.5%، بينما زادت أسعار منتجات الألبان والبيض بنسبة 147.1%، وارتفعت أسعار اللحوم بنسبة 145.2%.
وفي يوليو، توقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لإيران بنسبة 5.4% خلال 2026 على أساس سنوي. كما قدر متوسط التضخم السنوي عند 68.9%.
ويرى هادي كحال زاده، الباحث في معهد كوينسي ومقره واشنطن، أن الفئات محدودة الدخل والفئات الأكثر هشاشة تمثل نحو 70% من سكان إيران.
وقال إن اللجوء إلى التقسيط لشراء الطعام والاحتياجات الأساسية يعكس بوضوح انتقال التضخم من أزمة على مستوى الاقتصاد الكلي إلى مشكلة تفرض نفسها على تفاصيل الحياة اليومية.
الحصار يضاعف كلفة الأزمة
تواجه التجارة الإيرانية ضغوطاً إضافية بسبب الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الرئيسية في البلاد منذ أبريل. وقدر تقرير صادر عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات تكلفة الحصار على إيران بنحو 435 مليون دولار يومياً.
وفي 11 أغسطس، لم تعبر مضيق هرمز سوى ثماني سفن، مقابل ما بين 130 و140 سفينة يومياً قبل اندلاع النزاع، وفقاً للمعلومات المتاحة.
وفي الخميس، أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن واشنطن تعمل على إعداد مجموعة من الإجراءات الاقتصادية الجديدة ضد إيران، ووصفها بأنها غير مسبوقة.
كما قال ترامب لموقع أكسيوس هذا الأسبوع إنه لا يشعر بالقلق من استمرار تراجع الاقتصاد الإيراني تحت تأثير العقوبات والتضخم والحصار. وأضاف أن الأمور ستكون على ما يرام، وشبه الوضع بلعبة شطرنج.
قدرة على الصمود تواجه اختباراً متزايداً
ورغم شدة الضغوط، لا تزال متاجر السوبرماركت في طهران تحتفظ بمخزونات كافية، كما استمرت عمليات توزيع الغذاء التقليدية خلال شهر محرم.
واعتمدت إيران لفترة طويلة على قنوات تجارية بديلة، خصوصاً عبر الصين، للتعامل مع العقوبات المفروضة عليها. لكن اقتصاديين يحذرون من أن استمرار الحصار لفترة أطول قد يؤدي إلى نقص كبير في الغذاء والوقود والأدوية.
وقد يدفع تفاقم الأزمة السلطات إلى تطبيق إجراءات تقنين ومراقبة للأسعار، مع تزايد صعوبة الحفاظ على تدفق السلع.
وحذر ماجد رضا حريري، رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية، من أن تأثير الحصار على الاقتصاد أصبح أكبر من تأثير الحرب نفسها. وأشار إلى أن الطرق البرية وشبكات السكك الحديدية لا تستطيع تعويض الخسائر الناتجة عن توقف حركة التجارة البحرية.
وأدت الحرب حتى الآن إلى فقدان نحو مليون وظيفة مباشرة، بحسب نائب وزير العمل الإيراني.
ويرى خلج زاده أن الإجراءات التي تعتمدها إيران للتعامل مع الأزمة، ومنها تدخل الدولة والتجارة غير الرسمية وخفض الواردات، تمثل ما وصفه بـ”فخ الصمود”. فهذه الآليات تمنع الانهيار الفوري، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على الضغوط المرتبطة بالتضخم والبطالة والفقر.
