سبتة تستعيد هدوءها بعد موجة عبور غير نظامية خلفت عشرات الضحايا

Sebta-14

شهدت مدينة سبتة خلال أقل من يومين واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية التي عرفتها المنطقة في السنوات الأخيرة، قبل أن يتغير المشهد بسرعة مع تسجيل عودة جماعية للوافدين إلى المغرب. ووفق المعطيات المتاحة لدى السلطات الإسبانية، تجاوز عدد الأشخاص الذين دخلوا المدينة منذ صباح الخميس 50 ألفاً، بينما قدرت الحكومة المحلية العدد بما قد يصل إلى 60 ألف شخص عبر المنافذ البرية والبحرية.

غير أن هذا التدفق الكبير لم يستمر طويلاً، إذ أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية، مساء الجمعة، أن أكثر من 48 ألف شخص عادوا إلى المغرب، سواء بشكل طوعي عبر المعابر الحدودية أو من خلال الفتحات الموجودة في السياج الفاصل. وبذلك انخفض عدد الوافدين الموجودين داخل المدينة إلى أقل من ألفي شخص. وأفاد عدد من العائدين بأن نقص أماكن الإيواء والمواد الغذائية، بعد تجاوز طاقة الاستقبال المحلية، كان من أبرز الأسباب التي دفعتهم إلى العودة.

حصيلة بشرية غير مسبوقة في سبتة

أعلنت مندوبية الحكومة الإسبانية في سبتة انتشال 57 جثة من الجانب الإسباني للحدود، في حين لم تصدر حتى الآن حصيلة رسمية موحدة من الجانب المغربي. وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن عدداً من الضحايا فقدوا حياتهم غرقاً أثناء محاولتهم الوصول إلى المدينة عبر البحر، بينما لقي آخرون مصرعهم خلال تدافع وقع بالقرب من السد الذي يمتد عند السياج الحدودي.

وبهذه الحصيلة، تعد هذه الموجة الأكثر دموية في تاريخ محاولات الهجرة نحو سبتة خلال السنوات الحديثة، متجاوزة الأرقام الأولية التي جرى الإعلان عنها خلال يومي الخميس والجمعة.

تنسيق مغربي إسباني لتسريع استعادة السيطرة

انتقل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الجمعة، إلى سبتة للوقوف ميدانياً على تطورات الوضع، وسط احتجاجات من جانب بعض سكان المدينة. ووصف ما جرى بأنه “انتهاك للسلامة الترابية” لإسبانيا، معلناً تسريع عمليات التعرف على الوافدين وترحيلهم.

وفي المقابل، أكد سانشيز أهمية التعاون مع المغرب، معتبراً أن الرباط شريك أساسي في تنظيم عمليات العودة واستعادة السيطرة على الحدود.

وعلى الجانب المغربي، عززت القوات الأمنية انتشارها في مدينة الفنيدق والمناطق المحيطة بالسياجات الحدودية لمنع تكرار محاولات العبور، فيما غادرت مجموعات أخرى المنطقة بعد إخفاقها في الوصول إلى سبتة. كما أعلنت مدريد عزمها نشر عوامات إضافية بمحاذاة السد لتشكيل حاجز يسهل التدخلات الأمنية، بالتزامن مع استمرار انتشار الجيش ووحدات إضافية من الشرطة داخل المدينة.

تباين المواقف الأوروبية بشأن الأزمة

أثارت التطورات الأخيرة ردود فعل متباينة داخل أوروبا. فقد قررت فرنسا تشديد المراقبة على حدودها مع إسبانيا بصورة فورية، بينما لوحت إيطاليا باتخاذ إجراءات استثنائية قد تشمل تعليق حرية التنقل مع إسبانيا داخل فضاء شنغن.

وبررت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني هذا التوجه بضرورة حماية الحدود الأوروبية، في حين اعتبر وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني أن سياسة التسوية التي تعتمدها إسبانيا تشجع شبكات تهريب المهاجرين. وردت مدريد باستدعاء السفير الإيطالي احتجاجاً على هذه التصريحات.

في المقابل، تؤكد السلطات الإسبانية أن موجة العبور جاءت نتيجة انتشار شائعات وتفسير خاطئ لقرار صادر عن المحكمة العليا يمنع الإعادة الفورية للموقوفين في البحر، دون أن يحول ذلك دون تنفيذ عمليات الترحيل بعد دراسة كل ملف على حدة.

أزمة قصيرة زمنياً وثقيلة في نتائجها

بعد أقل من 48 ساعة على اندلاع الأزمة، تبدل اتجاه حركة العبور بشكل واضح مع استمرار عودة أعداد كبيرة من الوافدين إلى المغرب، بينما بقيت الحدود تحت مراقبة أمنية مشددة، وتواصل السلطات العمل على تحديد الحصيلة النهائية للأحداث.

وتبرز هذه الأزمة حجم الهشاشة التي قد تعرفها المنظومة الحدودية خلال فترات الضغط الكبير، كما تعكس في الوقت نفسه قدرة التنسيق المغربي الإسباني على احتواء الوضع واستعادة السيطرة في فترة وجيزة، رغم الخسائر البشرية الكبيرة التي شهدتها المنطقة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *