الاقتصاد الدائري في المغرب بين تحديات النفايات وآفاق التنمية المستدامة

الاقتصاد الدائري

لم تعد قضية النفايات في المغرب تقتصر على بعدها البيئي أو التقني، ولم تعد معالجتها مسؤولية مرتبطة فقط بالجماعات الترابية والمطارح العمومية، بل أصبحت تمثل رهانًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يحتل مكانة متقدمة ضمن أولويات التنمية. ومع استمرار التوسع الحضري وارتفاع تكاليف التدبير، إلى جانب الحاجة المتزايدة إلى خلق فرص العمل، يبرز الاقتصاد الدائري باعتباره أحد أبرز الخيارات القادرة على إعادة صياغة العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك وتثمين الموارد.

وترتكز هذه المقاربة على مبدأ يقوم على إعادة إدخال المواد المستعملة إلى الدورة الاقتصادية بدل التخلص منها عبر الطمر أو الحرق أو تركها عرضة للتراكم العشوائي، وذلك من خلال الفرز وإعادة التدوير والمعالجة وإعادة الاستخدام. وفي السياق المغربي، حيث تتقاطع تحديات البيئة مع متطلبات التشغيل والتنمية المجالية، يفرض هذا التوجه نفسه كحل عملي تقتضيه المرحلة أكثر من كونه مجرد تصور نظري.

تحويل النفايات من عبء إلى مورد اقتصادي

لفترة طويلة، اعتُبرت النفايات نهاية دورة الاستهلاك، غير أن العديد من التجارب الدولية أثبتت أن تغيير هذه النظرة يمكن أن يفتح المجال أمام صناعات جديدة تشمل البلاستيك المعاد تدويره، والسماد العضوي، والطاقة الحيوية، إضافة إلى تثمين النفايات الإلكترونية. وفي المغرب، تزداد أهمية هذا التوجه مع استمرار ارتفاع حجم النفايات الحضرية، بالتوازي مع الضغوط المتنامية على ميزانيات الجماعات المحلية وخدمات النظافة.

إلا أن تحويل النفايات إلى مورد اقتصادي لا يتحقق بصورة تلقائية، بل يتطلب منظومة متكاملة تبدأ بعملية الفرز من المصدر، مرورًا بالبنية اللوجستية، ثم وحدات المعالجة، وصولًا إلى سوق قادرة على استيعاب المواد المسترجعة. وفي غياب هذه العناصر، يبقى الاقتصاد الدائري أقرب إلى مفهوم تنموي منه إلى قطاع اقتصادي متكامل.

وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل محوري حول مدى توفر الشروط التي تمكن المغرب من الانتقال من منطق تدبير النفايات إلى منطق تثمينها، وهو سؤال يتجاوز الجانب البيئي ليشمل الصناعة والاستثمار وفرص التشغيل المحلية.

الاقتصاد الدائري وفرص التشغيل

يشكل خلق فرص العمل أحد أبرز المكاسب التي يعد بها الاقتصاد الدائري، إذ يوفر أنشطة محلية لا تتطلب في مراحلها الأولى استثمارات مالية كبيرة بقدر ما تحتاج إلى حسن التنظيم والتكوين والتدبير. وتشمل هذه الأنشطة عمليات الجمع والفرز والنقل والمعالجة الأولية، بما يسمح باستيعاب اليد العاملة داخل المدن الكبرى والمناطق شبه الحضرية وحتى بعض الأوساط القروية.

ويمنح هذا المعطى الاقتصاد الدائري بعدًا اجتماعيًا مهمًا، لأنه لا يقتصر على الشركات الكبرى، بل يتيح أيضًا للمقاولات الصغرى والمتوسطة والتعاونيات والجمعيات والمبادرات المحلية الاندماج ضمن سلسلة القيمة، ليجمع بذلك بين حماية البيئة وتعزيز التشغيل في آن واحد.

غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطًا بوجود إطار تنظيمي واضح، إذ إن ضعف التأهيل وغياب المعايير المهنية وشروط السلامة قد يحول هذا المجال إلى نشاط غير مستقر. ومن ثم، فإن دعم الاقتصاد الدائري لا يقتصر على تشجيع الاستثمارات، بل يشمل كذلك توفير ظروف عمل لائقة وضمان جودة الممارسات داخل القطاع.

المواد الأكثر قابلية للتثمين

تختلف النفايات من حيث قيمتها الاقتصادية وإمكانات تثمينها. فهناك مواد تتمتع بقدرة أكبر على إعادة الاستغلال، مثل المعادن والورق والبلاستيك، بينما تفرض النفايات العضوية والإلكترونية تحديات أكثر تعقيدًا.

وفي الحالة المغربية، تمثل النفايات العضوية أحد أكثر المجالات الواعدة، سواء من خلال إنتاج السماد العضوي أو تطوير مشاريع الطاقة الحيوية، خاصة عند ربطها بالقطاع الفلاحي.

أما النفايات البلاستيكية، فتجمع بين كونها تحديًا بيئيًا وفرصة اقتصادية في الوقت نفسه، إذ إن تحسين عمليات الفرز وتنظيم التجميع يرفع من إمكانية توجيهها نحو مسارات إنتاجية جديدة بدل تراكمها داخل الأحياء والمجاري المائية والمطارح.

وبالنسبة للنفايات الإلكترونية، فهي تستدعي اعتماد معايير دقيقة نظرًا لما تحتويه من مواد ذات قيمة اقتصادية، إلى جانب ما قد تسببه من مخاطر صحية وبيئية. ويبرز هنا جوهر الاقتصاد الدائري، الذي لا يقتصر على إعادة التدوير فقط، بل يقوم أيضًا على إعادة تنظيم دورة حياة المواد منذ خروجها من الاستعمال وحتى إعادتها إلى السوق.

دمج الاقتصاد الدائري في السياسات العمومية

نجاح هذا الورش يتطلب أكثر من إطلاق مبادرات متفرقة أو مشاريع تجريبية، إذ يقتضي إدماج الاقتصاد الدائري ضمن السياسات العمومية عبر تشجيع الاستثمار، وتطوير المنظومة القانونية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وربط التمويل بنتائج قابلة للقياس.

كما يقع على عاتق الجماعات الترابية دور أساسي باعتبارها الأقرب إلى تدبير النفايات على المستوى المحلي. فإذا استمر التدبير محصورًا في إزالة النفايات فقط، فلن تنشأ سوق حقيقية لتثمينها. أما إدماج الفرز وإعادة التدوير ضمن التخطيط الحضري والاقتصادي، فسيمكن من تحويل هذا الملف إلى رافعة للتنمية بدل اعتباره مجرد خدمة للنظافة.

وتتمثل نقطة التحول الأساسية في التعامل مع الاقتصاد الدائري باعتباره قطاعًا إنتاجيًا قائمًا بذاته، يحتاج إلى قواعد واضحة، ومؤشرات أداء دقيقة، واستثمارات متدرجة، وحوكمة فعالة وشفافة.

نحو نموذج مغربي للاقتصاد الدائري

لا يقتضي تطوير الاقتصاد الدائري استنساخ التجارب الأجنبية، فالمغرب يمتلك خصوصياته المرتبطة بالبنية التحتية، وأنماط الاستهلاك، والتوزيع المجالي، وطبيعة نسيجه الاقتصادي. ومع ذلك، يمكن بلورة نموذج وطني يجعل من النفايات موردًا اقتصاديًا محليًا، ويحول جزءًا من الأعباء التي تتحملها الجماعات إلى فرص إنتاجية ملموسة.

ويظل الرهان الأبرز هو الانتقال من تدبير النفايات باعتباره استجابة ظرفية إلى اعتماد رؤية استثمارية مهيكلة، بحيث تصبح النفايات جزءًا من التخطيط الصناعي والتمويل الأخضر وسياسات التشغيل المحلي، لتتحول من عبء إلى عنصر مساهم في الاقتصاد الوطني.

ويبقى مستقبل هذا المسار رهينًا بقدرة المغرب على ترجمة التوجهات إلى مشاريع عملية، وتحويل هذه المشاريع إلى نتائج ملموسة، وصولًا إلى بناء سوق مستدامة تجعل الاقتصاد الدائري ركيزة حقيقية للتنمية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *