منبر | تصميم المستقبل: الابتكار المسؤول
تتزايد النفايات الإلكترونية أسرع بخمس مرات من إعادة تدويرها. في هذا المنبر، يدعو غاريث جاي، المدير التجاري الإقليمي لإبسون في إفريقيا، إلى ابتكار يُدمج الحد من الأثر البيئي منذ مرحلة التصميم.

صورة: Qurren / ويكيميديا
منبر — بقلم: غاريث جاي، المدير التجاري الإقليمي لإبسون في إفريقيا
تفيد الأمم المتحدة[1] بأن النفايات الإلكترونية تتزايد على الصعيد العالمي بوتيرة أسرع من قدرة كوكبنا على إعادة تدويرها. ويكشف هذا المنحى عن توتر متصاعد بين تسارع التقدم التكنولوجي ومحدودية الموارد الطبيعية. وفي ظل احتدام التغير المناخي، وندرة الموارد، وتحوّل انتظارات المستهلكين، لم يعد ممكنا التعامل مع الحد من الأثر البيئي باعتباره انشغالا ثانويا، بل بات من الضروري إدماجه منذ مرحلة تصميم الابتكار، مرورا بتنفيذه، وعلى امتداد تعميمه على نطاق واسع.
وتُظهر الدراسات أن الاستثمار في ممارسات أكثر نجاعة وأقل أثرا على البيئة لم يعد أولوية بيئية فحسب، بل أصبح أيضا محركا حقيقيا لنمو الشركات. فقد كشفت الدورة الثامنة والعشرون من استطلاع «Global CEO Survey» الذي تنجزه مؤسسة PwC أن الاستثمارات الموجهة نحو التنمية المستدامة كانت فرص إفضائها إلى ارتفاع رقم المعاملات تفوق بست مرات فرص تسببها في تراجعه[2]. كما أكد ثلث المسيرين المستجوَبين أنهم لمسوا نموا مباشرا في إيراداتهم بفضل مبادرات داعمة للتنمية المستدامة[3]. أما الشركات التي تتأخر في الانخراط في هذا التحول، فتجازف بالتخلف عن الركب على مستوى الامتثال التنظيمي، وثقة المستهلكين، والمصداقية لدى المستثمرين.
لماذا ينبغي للابتكار أن يقلّص الأثر البيئي
تاريخيا، انصبّ الابتكار أساسا على الأداء والسرعة والقدرات الإنتاجية. وإذا كانت هذه الطفرات قد جلبت منافع لا جدال فيها، فإنها أسهمت أيضا في مضاعفة الضغوط على البيئة. ويشير تقرير «Global E-waste Monitor 2024»، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، وهو وكالة الأمم المتحدة المتخصصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إلى أن النفايات الإلكترونية تتزايد أسرع بخمس مرات من جهود إعادة التدوير الموثقة. ففي سنة 2022، أُنتج في العالم 62 مليون طن من النفايات الإلكترونية، لم يُجمع منها ويُعَد تدويره بشكل رسمي سوى 22.3 في المائة، وفق البيانات الموثقة[4]. ومعنى ذلك أنه كلما اتسع انتشار التكنولوجيا، ازدادت الهوة اتساعا بين الاستهلاك والتدبير المسؤول للأجهزة في نهاية عمرها.
ويؤكد هذا الواقع ضرورة إعادة النظر في مقاربتنا للابتكار. فالتنمية المستدامة لا ينبغي أن يُنظر إليها كقيد، بل كمبدأ في التصميم يتيح تكنولوجيات أذكى وأكثر قدرة على الصمود. وحين يؤخذ الأثر البيئي في الحسبان منذ البداية، يغدو الابتكار محركا للنمو على المدى البعيد، وللتميز والنجاعة.
إعادة التفكير في تصميم التكنولوجيا من أجل مستقبل مستدام
في إبسون، تستند هذه المقاربة إلى فلسفة «شو-شو-سي» (Sho-Sho-Sei)، التي ترمي إلى تصميم منتجات مدمجة ودقيقة وناجعة. ويوجّه هذا المبدأ خيارات التصميم نحو تقليص استعمال المواد، والحد من استهلاك الطاقة، وإطالة عمر المنتجات.
وتُعد تقنية الطباعة «بدون حرارة» (Heat-Free) من إبسون مثالا على ذلك، إذ تتيح خفض استهلاك الكهرباء بنسبة تصل إلى 96 في المائة مقارنة بطابعات ليزر مماثلة من بين الطرازات الأكثر مبيعا[5]. وبذلك تستطيع الشركات تقليص استهلاكها الإجمالي للكهرباء وتكاليف تشغيلها. وتكتسي هذه الميزة أهمية خاصة في المناطق التي قد يكون فيها التزود بالطاقة غير منتظم أو مكلفا، ما يجعل النجاعة الطاقية مكسبا اقتصاديا وبيئيا في آن واحد.

وتشكل طابعات «إيكوتانك» (EcoTank) مثالا آخر، إذ تعوّض خراطيش الحبر التقليدية بقوارير حبر قابلة لإعادة الملء وذات سعة كبيرة. وتتيح مجموعة واحدة من قوارير حبر «إيكوتانك» طباعة ما يعادل، من حيث عدد الصفحات، ما يصل إلى 79 خرطوشة حبر، ما يقلّص بشكل كبير وتيرة استبدال المستهلكات وحجم النفايات البلاستيكية. كما يتيح هذا الحل خفض كلفة الصفحة الواحدة، سواء بالنسبة إلى الشركات أو الأفراد[6].
وأبعد من المنتجات في حد ذاتها، يقتضي الحد من الأثر البيئي عبر الابتكار مقاربة تشمل دورة الحياة بأكملها، تمتد من التزود المسؤول بالموارد الطبيعية ونجاعة عمليات التصنيع، إلى متانة المنتجات وقابليتها للإصلاح وتدبير نهاية عمرها. كما تفترض ملاءمة الحلول مع واقع كل منطقة، لا سيما في ما يتعلق بندرة الموارد الطبيعية، وموثوقية التزود بالطاقة، والولوج إلى البنيات التحتية.
دعوة إلى التعاون والعمل
لا يمكن تحقيق التقدم في مجال التنمية المستدامة بشكل منعزل؛ فالسلطات العمومية والشركات والمستهلكون، جميعهم معنيون بالإسهام في تسريع الانتقال نحو ابتكار أكثر مسؤولية.
ويمكن للسلطات العمومية أن تدعم هذا التحول من خلال سياسات وتحفيزات تشجع البحث والتطوير المستدامين، والنجاعة الطاقية، وممارسات الاقتصاد الدائري. أما الشركات، فعليها أن تتجاوز مجرد الامتثال للقوانين، بتحديد أهداف بيئية واضحة وقابلة للقياس، وإعادة النظر في سلاسل توريدها بما يعطي الأولوية للاستدامة وقابلية إعادة التدوير وتقليص استهلاك الموارد.
ويضطلع المستهلكون بدورهم بدور حاسم؛ فباختيارهم منتجات ذات بصمة بيئية أخف وعمر أطول، يعبّرون عن طلب على الابتكار المسؤول، ويسهمون في رسم المعايير المستقبلية للصناعة.
التكنولوجيات الناشئة والبحث والتطوير
وتأتي الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى لإبسون، «Engineered Future 2035»، لتعزز هذا التوجه، إذ تضع الابتكار القائم على النجاعة وصغر الحجم والدقة في صلب الطريقة التي تعتزم بها الشركة خلق قيمة للمجتمع وقيمة للمقاولة في الآن نفسه. وتستشرف هذه الرؤية مستقبلا تطبعه القيود الطاقية وندرة الموارد، ونقص اليد العاملة، وتسارع التحولات التكنولوجية، وتجعل من الهندسة وسيلة لابتكار حلول ملموسة تلائم ظروف الاستعمال الفعلية.
وللتكنولوجيات الناشئة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، دور أساسي في تطوير أنماط اشتغال أكثر استدامة؛ إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحسين سلاسل التوريد، وإطالة دورة حياة المنتجات، وتقليص النفايات بفضل تخطيط أذكى للموارد، فيدعم بذلك الأهداف البيئية والأداء الاقتصادي للشركات معا.
وفي إبسون، تندمج التنمية المستدامة في صميم أنشطة البحث والتطوير. وتشهد تقنيات من قبيل الطباعة «ميكرو بيزو» (Micro Piezo)، التي تقوم عليها حلول الطباعة بدون حرارة، على التزام طويل الأمد بابتكار يعطي الأولوية للنجاعة والمسؤولية البيئية. ويندرج هذا التوجه ضمن رؤية «Engineered Future 2035»، القائمة على تعبئة التكنولوجيات الأساسية لإبسون وخبرتها الميدانية لخلق القيمة في مجالات الصناعة والتعلم والعمل وأنماط العيش، مع الإسهام في تقدم يعود بالنفع على الإنسان والكوكب. وفي المحصلة، ستُقاس القيمة الحقيقية للابتكار بمدى قدرته على الإسهام في مستقبل أكثر استدامة، يوفق بين التقدم التكنولوجي والاستعمال المسؤول للموارد الطبيعية، بما يخلق قيمة مستدامة للأفراد والشركات والكوكب.
المصادر
- تقرير «Global E-waste Monitor 2024»: النفايات الإلكترونية تتزايد أسرع بخمس مرات من معدل إعادة تدويرها الموثق.
- PwC، الدورة الثامنة والعشرون من استطلاع «Global CEO Survey»: «Reinvention on the edge of tomorrow»، ص. 7.
- PwC، الدورة الثامنة والعشرون من استطلاع «Global CEO Survey»: «Reinvention on the edge of tomorrow»، ص. 8.
- «The Global E-waste Monitor 2024 – Electronic Waste Rising Five Times Faster than Documented E-waste Recycling»، ص. 9.
- مقارنة مع طابعات الليزر ذات الخصائص المماثلة من بين الطرازات الأكثر مبيعا في الشرق الأوسط وإفريقيا (IDC، Quarterly Hardcopy Peripherals Tracker، الشحنات من الربع الأول إلى الربع الرابع من 2023، نُشر في الربع الأول من 2024). تستند المقارنة إلى متوسط استهلاك الكهرباء أثناء الطباعة والنسخ، وبيانات الاستهلاك مأخوذة من المواصفات الرسمية للمصنّعين. طرازات إبسون المشمولة: سلاسل M1100 وM2100 وM3100 وM15100 وL11160 وL14150 وL15100 وL6400 وL6500 وL1200 وL3200 وL3500 وL4200 وL5200 وL5590 وL6200.
- استنادا إلى حسابات إبسون المتعلقة بمتوسط التوفير في كلفة الصفحة، ومتوسط عدد خراطيش النفث الحبري اللازمة لطباعة عدد الصفحات نفسه الذي تطبعه قوارير حبر Epson EcoTank «112». تشمل المقارنة متوسط المردودية (عدد الطبعات بحجم A4 وفق نموذج الاختبار ISO/IEC 24712) لقوارير «112» ولمستهلكات المصنّع الأصلية المستعملة في الطرازات العشرة الأكثر مبيعا في الشرق الأوسط وإفريقيا من طابعات الليزر الملونة A4 وA3 الموجهة للأفراد، بسرعة تتراوح بين 21 و30 صفحة في الدقيقة. البيانات مأخوذة من IDC Hardcopy Peripherals Consumables Tracker وIDC Quarterly Hardcopy Peripherals Tracker (شحنات 2023، نُشرا في الربع الأول من 2024). تُحتسب كلفة الصفحة بقسمة متوسط سعر بيع القارورة أو الخرطوشة، كما ترصده IDC، على مردوديتها.





