الشرع يحدد رؤية سوريا الجديدة ويعيد رسم العلاقة مع لبنان والشرق الأوسط

alcharaa-almachehed

في حوار حصري أجراه الرئيس السوري أحمد الشرع مع الإعلامي طوني خليفة عبر قناة ومنصة “المشهد”، عرضت دمشق رؤيتها لمرحلة ما بعد التحولات الإقليمية، متناولا أبرز ملفات العلاقات السورية اللبنانية، ومستقبل الدور السوري في المنطقة، وموقع “حزب الله” ضمن التوازنات اللبنانية، إضافة إلى شروط السلام مع إسرائيل وتداعيات الاتفاق الأميركي الإيراني على معادلات الشرق الأوسط.

ونفى الشرع وجود أي نية لدى سوريا للتدخل العسكري في لبنان أو العودة إلى نهج الوصاية الذي ميز المرحلة السابقة، مؤكدا أن أي دور سوري محتمل سيكون داعما للدولة اللبنانية ومؤسساتها، ويقوم على الحوار والتفاهم الداخلي.

كما دعا إلى معالجة شاملة للأزمة اللبنانية تتجاوز المقاربات الأمنية والعسكرية، عبر بناء الثقة بين المكونات اللبنانية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين بيروت ودمشق، ضمن رؤية تعتبر سوريا نقطة وصل إقليمية بين الشرق والغرب، مع التأكيد على أن الصراعات المسلحة لم تعد قادرة على إنتاج حلول دائمة، وأن مسارات التفاوض والتكامل الاقتصادي تمثل الخيار الأكثر واقعية لإعادة الاستقرار.

إرث تاريخي

قدم الرئيس السوري أحمد الشرع قراءة واسعة لإعادة تموضع سوريا داخل محيطها الإقليمي، معتبرا أن المرحلة الحالية تشكل انتقالا من منطق الصراع إلى منطق إعادة تشكيل الأدوار السياسية والاقتصادية.

وانطلق في تحليله من مراجعة الإرث المشترك بين سوريا ولبنان خلال حقبة النظام السابق، مشيرا إلى أن الشعبين السوري واللبناني تحملا كلفة سياسية وأمنية ثقيلة نتيجة التداخل القسري بين البلدين، وهو ما يستوجب تجاوز تلك المرحلة وإعادة بناء العلاقات على أسس جديدة.

وأكد أن سوريا لا تقدم نفسها اليوم كطرف إشكالي في الساحة اللبنانية، بل كدولة خرجت من مرحلة معقدة وتسعى إلى تحديد دورها الإقليمي وفق منطق يقوم على الاستقرار أولا.

تحول اقتصادي

وفي الجانب الاقتصادي، طرح الشرع رؤية تهدف إلى تحويل سوريا إلى مركز ربط استراتيجي بين الشرق والغرب، موضحا أن موقع البلاد الجغرافي يمنحها قدرة طبيعية على لعب دور ممر تجاري ولوجستي بين القارات.

وأشار إلى أن هذا المسار بدأ يتبلور تدريجيا من خلال مشاريع تعاون مع دول إقليمية مثل الأردن وتركيا والسعودية والإمارات وقطر، بما يتيح إعادة إدماج سوريا في المنظومة الاقتصادية الإقليمية.

وأضاف أن هذا التحول ستكون له انعكاسات مباشرة على لبنان، الذي يمكن أن يستعيد دوره التاريخي كواجهة بحرية لسوريا عبر إعادة تنشيط شبكات النقل والتبادل التجاري والطاقة والخدمات المالية.

كما اعتبر أن هذا التوجه يمثل بديلا عمليا عن الصراعات السياسية، ويعيد صياغة العلاقات الثنائية على أساس المصالح المشتركة بدل التوتر.

الملف اللبناني

وتناول الرئيس السوري بشكل موسع الأزمة اللبنانية، موضحا أن الإشكال لا يرتبط فقط بالقرارات السياسية، بل بغياب رؤية استراتيجية قادرة على نقل الدولة من إدارة الأزمات إلى إنتاج الحلول.

وأكد أن لبنان يحتاج إلى “مسارات لا قرارات”، في إشارة إلى أهمية اعتماد مقاربات طويلة المدى تعيد بناء الثقة بين مكوناته، وتعيد تحديد العلاقة بين الدولة والقوى الفاعلة.

وفي هذا السياق، شدد على ضرورة مراعاة التوازنات الداخلية الحساسة، خاصة ما يتعلق بالمكون الشيعي ودور “حزب الله”، محذرا من أن أي تغييرات غير مدروسة قد تقود إلى انفجارات داخلية.

ودعا إلى مقاربة غير إقصائية تجاه الحزب تقوم على إدماجه ضمن الدولة اللبنانية بدل عزله، مع إعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الإقليمية.

وفي ما يتعلق بملفي السلاح والحدود، أشار إلى أن معالجتهما بشكل مفاجئ أو جذري قد يزيد من تعقيد الوضع، ما يستدعي نهجا تدريجيا قائما على التوافق.

منطق السلام

وفي حديثه عن مسار السلام في المنطقة، رفض الشرع فكرة أن التطبيع يمكن أن يقوم على تفاهمات شكلية أو إعلانات سياسية، مؤكدا أن أي اتفاق مع إسرائيل يحتاج إلى استقرار فعلي وضمانات تمنع انهياره عند أول اختبار أمني.

وانتقد القراءات التي تتحدث عن تسارع إقليمي نحو اتفاقات سلام، معتبرا أن الواقع أكثر تعقيدا، وأن التجارب السابقة أثبتت هشاشة الاتفاقات غير المدعومة ببيئة مستقرة.

كما أشار إلى أن غياب الدولة القادرة على ضبط قرار الحرب والسلم في بعض الساحات، ومنها لبنان، يجعل من مسار السلام عملية معقدة تتطلب معالجة داخلية قبل أي خطوات خارجية.

وشدد على أن السلام الحقيقي عملية طويلة تبدأ من الداخل ولا تنتهي عند توقيع الاتفاقات.

الرهان الإقليمي

وفي ختام حديثه، تطرق الشرع إلى موقع سوريا في التوازنات الإقليمية، مؤكدا أن بلاده قادرة على لعب دور إيجابي في محيطها، بما في ذلك لبنان، شرط أن يتم ذلك عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها وضمن توافق داخلي شامل.

وأوضح أن التجارب السابقة أظهرت مخاطر التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، ما يجعل أي دور مستقبلي مرتبطا بالشرعية المؤسساتية والتوافق الوطني.

وأشار إلى أن الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة هو الرهان الاقتصادي، من خلال بناء فضاء تكاملي بين سوريا ولبنان قائم على الربط في مجالات الطاقة والتجارة والسياحة واللوجستيك.

كما اعتبر أن التفاهمات الإقليمية، بما فيها الاتفاقات الأميركية الإيرانية، تعكس مرحلة انتقالية معقدة لا يوجد فيها منتصر واضح، بل أطراف تتحمل تكاليف سياسية وإنسانية كبيرة.

وأضاف أن أي تهدئة بين واشنطن وطهران، رغم أهميتها، تبقى غير مكتملة إذا لم تنعكس على الاستقرار الإقليمي العام، خاصة في الساحة الإسرائيلية التي ما تزال تعيش توترا مستمرا.

وختم الرئيس السوري أحمد الشرع بالتأكيد على أن الحلول العسكرية لم تعد قادرة على إنهاء الأزمات، وأن المستقبل يرتبط بإعادة بناء العلاقات الإقليمية على أساس المصالح الاقتصادية والاستقرار المشترك بدل المواجهات المفتوحة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *