انعقد في مدينة طنجة المنتدى الوطني حول الاستثمار ومغاربة العالم في سياق وطني ودولي يضع الجالية المغربية المقيمة بالخارج في قلب الاستراتيجية التنموية للمملكة. ويأتي هذا اللقاء تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، وبحضور السيد رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ليؤكد التوجه نحو تحويل التحويلات المالية للجالية إلى رافعة للاستثمار المنتج وتعزيز خلق فرص الشغل ودعم النمو الاقتصادي.
وفي كلمته الافتتاحية، شدد السيد رئيس الحكومة عزيز أخنوش على أن الاهتمام بمغاربة العالم لم يعد مرتبطا بظرفية أو مناسبات محددة، بل أصبح خيارا استراتيجيا طويل المدى. وأوضح أن هذا التوجه يستند إلى الرؤية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، التي تعتبر الجالية جزءا أساسيا من الأمة المغربية وشريكا محوريا في مسار التنمية والتحديث. كما أبرز أن مساهمات الجالية تتجاوز التحويلات المالية لتشمل الكفاءات والخبرات والشبكات الدولية التي تعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وشكلت التوجيهات الملكية السامية، خاصة تلك الواردة في خطاب الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء، مرجعا أساسيا لهذا التحول. وقد تم التأكيد على ضرورة إعادة هيكلة آليات تدبير شؤون المغاربة المقيمين بالخارج، عبر تعزيز التنسيق بين المؤسسات وتوحيد المتدخلين، بما يرفع من نجاعة السياسات العمومية الموجهة للجالية. ويهدف هذا المسار إلى تحسين الحكامة وتطوير أدوات المواكبة وتوسيع أدوار المؤسسات في التخطيط والاقتراح.
كما تم التشديد على أهمية رفع مساهمة الجالية في الاستثمار الوطني، في ظل استمرار الفجوة بين حجم التحويلات المالية ومستوى توظيفها في مشاريع إنتاجية. وتسعى السلطات إلى تعبئة الكفاءات المغربية بالخارج وتحفيزها على الانخراط في مشاريع مهيكلة قادرة على خلق القيمة المضافة وتوفير فرص الشغل في مختلف جهات المملكة. ويواكب ذلك تحسين الولوج إلى برامج الدعم، بما فيها برامج السكن، بهدف تعزيز الارتباط الاقتصادي والاجتماعي مع الوطن.
وعلى المستوى الاقتصادي، أظهرت المؤشرات الرسمية تحسنا تدريجيا في التوازنات الماكرو اقتصادية خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاع النمو وتراجع التضخم وتقليص عجز الميزانية وانخفاض نسبة المديونية. كما تحسن عجز الحساب الجاري مدعوما بأداء قوي للصادرات والسياحة وتحويلات الجالية وتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وتأتي هذه النتائج في سياق إصلاحات هيكلية متواصلة يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بهدف تعزيز صلابة الاقتصاد الوطني وترسيخ موقع المغرب كقطب إقليمي للاستثمار. وقد استفاد هذا المسار من استقرار سياسي ومؤسساتي، وبنية تحتية متقدمة، وانفتاح اقتصادي متزايد على الأسواق الدولية.
كما عزز المغرب جاذبيته الاستثمارية في قطاعات استراتيجية تشمل صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الدوائية والغذائية، إلى جانب توجهات جديدة مرتبطة بالاقتصاد الأخضر والرقمنة والذكاء الاصطناعي. ويأتي ذلك بالتوازي مع مشاريع كبرى مرتبطة بالتحضير لتنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
وفي إطار تحسين بيئة الاستثمار، اعتمدت الحكومة ميثاق الاستثمار الجديد الذي يهدف إلى تبسيط المساطر وتحفيز الاستثمار المنتج. وقد مكنت هذه الإصلاحات من المصادقة على مئات المشاريع الاستثمارية بقيمة إجمالية كبيرة، من المتوقع أن توفر مئات الآلاف من فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة.
كما تم تعزيز دور المراكز الجهوية للاستثمار وتوسيع صلاحياتها لتسريع اتخاذ القرار وتقريب الإدارة من المستثمرين، في إطار توجه نحو تعزيز اللاتمركز وتحسين فعالية التدبير الترابي للاستثمار.
وتتواصل جهود تحسين مناخ الأعمال عبر خارطة طريق 2023-2026، التي شملت رقمنة الخدمات الإدارية وتبسيط الإجراءات وتقليص الوثائق المطلوبة لإنجاز المشاريع. وقد انعكس ذلك في ارتفاع عدد المقاولات الجديدة، ما يعكس دينامية ريادية متنامية داخل الاقتصاد الوطني.
ويبرز في هذا السياق الدور المتزايد لمغاربة العالم كفاعل اقتصادي واستثماري محوري، بالنظر إلى حجم تحويلاتهم المالية التي تمثل موردا مهما للاقتصاد الوطني. غير أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل هذه التدفقات إلى استثمارات منتجة ذات أثر مباشر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويعكس هذا التوجه طموحا واضحا لجعل المغرب وجهة مفضلة لاستثمارات الجالية، عبر توفير بيئة محفزة تقوم على الثقة والشفافية وتحسين شروط الاستثمار. كما يسعى إلى بناء نموذج اقتصادي أكثر اندماجا مع الكفاءات المغربية في الخارج يقوم على الشراكة وتبادل الخبرات.
ويختتم المشاركون أشغال المنتدى بالتأكيد على ضرورة تعزيز الثقة بين الدولة والجالية، وتطوير آليات المواكبة والحكامة، بما يضمن تحويل هذا التوجه إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، وترسيخ موقع المغرب كوجهة استثمارية تنافسية وواعدة.




