بين فرحة العيد ومرارة الجيب… حين تصبح أضحية العيد حلمًا مؤجلاً
مع اقتراب عيد الأضحى، يجد آلاف المغاربة أنفسهم أمام معادلة قاسية: الرغبة في الحفاظ على شعيرة دينية واجتماعية راسخة، مقابل واقع اقتصادي يزداد صعوبة. فقد ارتفعت أسعار الأضاحي بشكل غير مسبوق، حيث تجاوزت أثمان بعض الخرفان سقف القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المحدود، بل وحتى الطبقة المتوسطة.
بين الشعيرة والقدرة
عيد الأضحى في المغرب ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو طقس اجتماعي متجذر في الذاكرة الجماعية. هو يوم تلتئم فيه الأسر، وتفوح فيه رائحة الشواء من كل بيت. لكن هذا العام، تقف فئات واسعة أمام سؤال مؤلم: هل يمكن أن يمر العيد دون أضحية؟
في أحد أسواق الماشية بضواحي المدينة، يقول رب أسرة يشتغل عاملاً يومياً:
“كنت أبدأ الادخار منذ أشهر لأشتري أضحية متوسطة، أما اليوم فالثمن تضاعف، ودخلي لم يتغير. كيف أضحي وأنا بالكاد أوفر مصاريف البيت؟”
أرقام تعكس الأزمة
يعزو مهنيون هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، من بينها تراجع القطيع الوطني بسبب توالي سنوات الجفاف، وارتفاع أسعار الأعلاف، وتكاليف النقل. كما أن التضخم الذي عرفته المواد الأساسية زاد من الضغط على ميزانية الأسر، فباتت الأولويات تتجه نحو الغذاء اليومي، والكراء، وفواتير الماء والكهرباء.
نتيجة لذلك، بدأت بعض العائلات تعلن صراحة أنها ستستغني عن الأضحية هذا العام، مكتفية بالاحتفال الرمزي أو بتقاسم لحم أضحية مع أقارب أو جيران.
أثر نفسي واجتماعي
الجانب المؤلم في المسألة لا يقتصر على البعد المادي، بل يمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي أيضاً. فالأطفال الذين اعتادوا انتظار “كبش العيد” يجدون أنفسهم أمام واقع مختلف. بعض الآباء يحاولون التخفيف من وقع الصدمة، مذكرين بأن الأضحية سنة مؤكدة وليست فرضاً على من لا يملك القدرة، وأن الدين لا يكلف نفساً إلا وسعها.
غير أن الضغط الاجتماعي يبقى حاضراً بقوة، خاصة في الأحياء الشعبية حيث يُنظر إلى اقتناء الأضحية كرمز للقدرة والكرامة.
مبادرات تضامنية
وسط هذه الأجواء، برزت مبادرات تضامنية من جمعيات ومحسنين لتنظيم حملات تبرع بالأضاحي أو توزيع اللحوم على الأسر المعوزة. كما لجأت بعض العائلات إلى حلول بديلة، مثل الاشتراك في أضحية واحدة بين أكثر من أسرة، أو اقتناء أضحية صغيرة لتقليل التكلفة.
ورغم صعوبة الظرف، يظل الأمل قائماً في روح التكافل التي تميز المجتمع المغربي، حيث تتحول الأزمات في كثير من الأحيان إلى فرصة لإحياء قيم التضامن والتراحم.
العيد… معنى قبل أن يكون مظهراً
في النهاية، يبقى عيد الأضحى مناسبة للنية الصادقة والتقرب إلى الله، لا للمظاهر أو المقارنات الاجتماعية. وبين غلاء الأسعار وضيق ذات اليد، يختار كثير من المغاربة هذا العام أن يحافظوا على روح العيد بطرق أخرى: بلمة عائلية بسيطة، طبق مشترك، أو دعاء بأن تمر الأزمة بسلام.
فحين يعجز الجيب، لا يعجز القلب…
ويبقى العيد، مهما تغيرت الظروف، مساحة للأمل.




