عمليات الاحتيال عبر تطبيقات المراسلة: خسائر تتجاوز 200 مليار دولار على مستوى العالم

social media platforms

دراسة جديدة تكشف الحجم الحقيقي لعمليات الاحتيال عبر تطبيقات المراسلة، التي تطال الأسر حول العالم وتتحول تدريجياً إلى تهديد للاقتصاد العالمي.

في وقت يشهد فيه العالم واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخه الحديث، تكشف دراسة جديدة أجرتها كاسبرسكي أن شبكات احتيال منظمة تستغل الاضطرابات الاقتصادية للاستيلاء على مليارات الدولارات من الأفراد عبر عمليات الاحتيال التي تتم من خلال تطبيقات المراسلة.

ولأول مرة، تقدم هذه الدراسة رؤية شاملة على المستوى العالمي لحجم هذه الظاهرة وتأثيرها الاقتصادي، وهو تأثير لم يسبق أن جرى قياسه بشكل كامل من قبل الحكومات أو الجهات التنظيمية.

وتكشف أحدث بيانات كاسبرسكي عن واقع مقلق، إذ إن ما يبدو للوهلة الأولى مجرد عمليات احتيال يومية أصبح يتحول إلى عبء اقتصادي واسع النطاق، يثقل كاهل الأسر التي تعاني أصلاً من الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف المعيشة.

عمليات الاحتيال عبر تطبيقات المراسلة: تهديد اقتصادي متزايد

تؤدي التوترات الجيوسياسية، وارتفاع معدلات التضخم، واستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي، وانعدام الاستقرار الوظيفي إلى خلق بيئة مواتية لازدهار عمليات الاحتيال. ومع الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، تواجه الأسر ضغوطًا مالية متزايدة، وهو ما يستغله مجرمو الإنترنت بشكل متعمد.

وتكشف دراسة كاسبرسكي أن ضحايا عمليات الاحتيال عبر تطبيقات المراسلة في المغرب يخسرون في المتوسط 504.28 دولارًا أمريكيًا لكل عملية احتيال، وهو مبلغ كان من الممكن أن يُخصص لتغطية نفقات أساسية مثل الغذاء أو فواتير الطاقة.

وتزداد الصورة قتامة بالنسبة إلى نحو 8% من الضحايا في المغرب، إذ تتجاوز خسائرهم 1,350 دولارًا أمريكيًا، مما يزيد من حدة الضغوط المالية التي يواجهونها في وقت تعاني فيه العديد من الأسر أصلًا من أوضاع اقتصادية صعبة.

للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الخسائر محدودة عند النظر إليها بشكل فردي. إلا أنها، على المستوى العالمي، تمثل عبئًا اقتصاديًا هائلًا. فمع وجود 3 مليارات مستخدم لتطبيقات المراسلة حول العالم، وإذا وقع 10% منهم فقط ضحية لعملية احتيال – وهو تقدير متحفظ في ظل الارتفاع المتسارع لعمليات الاحتيال عبر مختلف المنصات – فإن إجمالي الخسائر العالمية قد يتجاوز 219.9 مليار دولار أمريكي، وهو ما يعادل الانهيار الاقتصادي لدولة متوسطة الحجم.

ورغم ذلك، لا يزال الحجم الحقيقي للأضرار الاقتصادية الناجمة عن عمليات الاحتيال عبر تطبيقات المراسلة غير ظاهر إلى حد كبير. ففي المغرب، لا يُبلّغ سوى 18.4% من الضحايا عن الجريمة لدى الشرطة، بينما يقوم 16.8% فقط بإبلاغ بنوكهم. ونتيجة لذلك، لا ينعكس جزء كبير من هذه الخسائر في الإحصاءات الرسمية المتعلقة بالجريمة أو في المؤشرات الاقتصادية.

أزمة يصعب على المستهلكين مواكبتها

تكشف الدراسة أن عمليات الاحتيال عبر تطبيقات المراسلة بلغت مستويات مقلقة. فقد وقع أكثر من نصف حالات الاحتيال (52%) خلال الأشهر الخمسة الماضية. والأكثر إثارة للقلق أن أكثر من ربع المشاركين في الدراسة (28%) أفادوا بأنهم تعرضوا لمحاولات احتيال ثلاث مرات أو أكثر، وهو ما يعكس تحول هذه الجرائم من ممارسات فردية وانتهازية إلى نشاط إجرامي منظم ومتكرر وواسع النطاق.

وبالنسبة لمعظم الضحايا، لا تزال هذه التجارب حديثة العهد. ففي المتوسط، تعود آخر محاولة احتيال إلى أقل من ستة أشهر، بينما تعرض أكثر من ربع المشاركين (28%) لآخر محاولة خلال الأشهر الثلاثة إلى الخمسة الماضية، مما يؤكد أن التعرض لهذا النوع من الاحتيال يشهد تزايدًا مستمرًا.

وتوضح الدكتورة إليزابيث كارتر، أستاذة اللغويات الجنائية وعلم الجريمة في جامعة كينغستون لندن، قائلة: “يعتمد المحتالون على مواقف مألوفة وسياقات اجتماعية تبدو طبيعية، إلى جانب أساليب لغوية مدروسة، لإقناع الضحايا بأن قراراتهم منطقية ومبررة في تلك اللحظة. لكن الحقيقة أنهم يصنعون واقعًا زائفًا يدفع الضحية إلى اتخاذ قرارات تنتهي بخسائر مالية وأضرار نفسية. ومن الصعب للغاية إدراك هذا الواقع الزائف أثناء الوقوع فيه. لذلك، احرصوا على إبقاء أفراد العائلة والأصدقاء على اطلاع بما تقومون به عبر الإنترنت، فغالبًا ما يكون من الأسهل على شخص ينظر إلى الموقف من الخارج أن يلاحظ وجود أمر غير طبيعي.”

عمليات الاحتيال تنتقل إلى قلب تطبيقات المراسلة

لم تعد عمليات الاحتيال عبر تطبيقات المراسلة تقتصر على زوايا الإنترنت المظلمة، بل أصبحت تحدث داخل المنصات التي يستخدمها الناس يوميًا ويثقون بها. كما أنها لا تستهدف الفئات العمرية الأكبر سنًا فقط، إذ تُظهر الدراسة أن الضحايا يتوزعون بنسب متقاربة بين الجيل Z وجيل الألفية (Millennials) والجيل X.

وفي المغرب، تُعد عمليات الاحتيال الاستثماري (54%)، وانتحال هوية العلامات التجارية (45.6%)، وعمليات التسليم الوهمية (31.6%) أكثر أشكال الاحتيال عبر تطبيقات المراسلة انتشارًا. وقد صُممت هذه الهجمات لتُحاكي الرسائل المشروعة بدقة، بحيث تنسجم بسلاسة مع التفاعلات الرقمية اليومية. ومن خلال استغلال ثقة المستخدمين، والشعور بالإلحاح، واعتيادهم على هذه المنصات، يتمكن المحتالون من انتزاع أموالهم قبل أن تتاح لهم فرصة التشكيك في صحة الرسائل التي يتلقونها.

وعلى المستوى العالمي، تُظهر الدراسة أيضًا أن جيل الألفية (Millennials) هو الأكثر عرضة للاحتيال المرتبط بالاستثمارات أو الفرص المالية، حيث يمثل 40% من ضحايا هذا النوع من الاحتيال. ويعود ذلك إلى الظروف الاقتصادية التي يواجهها هذا الجيل، مثل الارتفاع الكبير في أسعار العقارات وتراجع الاستقرار المالي مقارنة بالأجيال السابقة. لذلك، تبدو الوعود بتحقيق الثراء السريع أو الفرص التي تبدو “أفضل من أن تكون حقيقية” أكثر إغراءً لهم، وهو ما يستغله مجرمو الإنترنت عمدًا لاستدراجهم إلى عمليات احتيال تزيد من تفاقم أوضاعهم المالية.

إجراءات عاجلة للحد من الآثار الاقتصادية لعمليات الاحتيال عبر تطبيقات المراسلة

أصبحت عمليات الاحتيال عبر تطبيقات المراسلة تمثل تحديًا اقتصاديًا واسع النطاق، إذ تؤدي إلى استنزاف تدريجي وصامت للموارد المالية للأسر، وتضعف قدرتها على الصمود اقتصاديًا، وتزعزع استقرارها، وتقوض الثقة في الخدمات الرقمية، كما تلقي بظلالها على الاقتصادات الوطنية. ولم يعد الأمر مجرد قضية تتعلق بالأمن السيبراني، بل أصبح قضية ترتبط بالأمن الاقتصادي.

وفي ظل التطور المستمر لهذه الأساليب الاحتيالية، تؤكد كاسبرسكي ضرورة اعتماد نهج مستدام ومنسق لمواجهتها، وتوصي الأفراد باتباع عدد من الممارسات الأساسية لتعزيز أمنهم الرقمي، من بينها:

● حماية الأجهزة في الوقت الفعلي: تثبيت حل أمني متكامل مثل Kaspersky Premium، القادر على اكتشاف الروابط الخبيثة ومحاولات التصيد الاحتيالي وحظرها فورًا عبر التطبيقات والمواقع الإلكترونية المستخدمة يوميًا. وعلى الهواتف المحمولة، توفر طبقة جديدة من الحماية ضد التصيد الاحتيالي فحصًا للروابط المشبوهة حتى داخل الإشعارات، بما يتيح اكتشاف التهديدات قبل التفاعل معها.

● تعزيز إدارة كلمات المرور: استخدام مدير كلمات مرور مثل Kaspersky Password Manager لتخزين كلمات المرور وبيانات تسجيل الدخول بأمان، مع تعبئتها تلقائيًا عبر المواقع الإلكترونية والتطبيقات والأجهزة المختلفة.

● رفع مستوى الوعي بعمليات الاحتيال الرقمية: التعرّف على أكثر أساليب الاحتيال عبر تطبيقات المراسلة شيوعًا، وتوعية أفراد الأسرة والمقربين بعلامات التحذير التي تساعد على اكتشافها وتجنب الوقوع ضحيتها.

● الاستثمار في أدوات حماية متقدمة: يمكن للشركات اعتماد حلول مراقبة متطورة مثل Kaspersky Brand Monitoring لرصد أي استخدام احتيالي لعلاماتها التجارية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ومنصات التجارة الإلكترونية، وأجزاء من الإنترنت المظلم (Dark Web)، بما يدعم عمليات التحقيق ويسرّع إزالة المحتوى الاحتيالي.

وقال مارك ريفيرو، الباحث الرئيسي في الأمن السيبراني ضمن فريق Global Research & Analysis Team (GReAT) في كاسبرسكي: «تستنزف عمليات الاحتيال عبر تطبيقات المراسلة الموارد المالية للأسر بشكل صامت، في وقت تواجه فيه بالفعل ضغوطًا اقتصادية متزايدة. ويستهدف هذا النوع من الاحتيال، الذي يتميز بدرجة عالية من التنظيم ويُدار على نطاق واسع، المستخدمين بسرعة وعبر مختلف قنوات المراسلة. ومع وجود مليارات المستخدمين لتطبيقات المراسلة حول العالم، لم يعد من الممكن تجاهل تأثيره الاقتصادي. وللحد من المخاطر، ينبغي على الجميع التحقق من أي رسالة غير متوقعة عبر القنوات الرسمية قبل مشاركة أي معلومات شخصية أو إجراء أي تحويل مالي، مع الحرص على تحديث برامج الحماية على جميع الأجهزة بشكل مستمر. كما يتعين على الشركات الاستثمار في حلول الرصد والكشف التي تتيح اكتشاف محاولات انتحال الهوية المرتبطة بعلاماتها التجارية والتصدي لها في مراحلها المبكرة.»

للاطلاع على مزيد من تحليلات كاسبرسكي وتوصياتها بشأن تعزيز الأمان أثناء التفاعل عبر الإنترنت، يُرجى زيارة Kaspersky Daily.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *