لوحات فريدا كاهلو في إسبانيا: معركة التراث التي تهز المكسيك

تحوّلت مجموعة جيلمان الفنية، التي تضم 160 عملاً من روائع الفن المكسيكي في القرن العشرين، بينها 18 لوحة لفريدا كاهلو، إلى بؤرة توتر ثقافي وقانوني غير مسبوق. منذ الإعلان في يناير 2026 عن اتفاقية بين عائلة زامبرانو المكسيكية وبنك سانتاندير الإسباني لإدارة هذه المجموعة، تتصاعد موجة الاحتجاج في المكسيك، حيث وقّع قرابة 400 مثقف وفنان ومؤرخ رسالة مفتوحة تطالب بالشفافية الكاملة وترفض ما يصفونه بـ”الإزالة غير المحددة المدة” لأعمال فنية تحميها القوانين المكسيكية.

أسّس جاك جيلمان وناتاشا جيلمان، وهما مهاجران من أوروبا الشرقية استقرا في المكسيك، هذه المجموعة الاستثنائية منذ أربعينيات القرن الماضي. استحوذت عليها عائلة زامبرانو، المالكة لعملاق الإسمنت “سيمكس” ومن أبرز الأسر الصناعية في المكسيك، عام 2023. وفي يناير 2026، أُعلن عن اتفاقية طويلة الأمد تُسنَد بموجبها إدارة 160 عملاً إلى مؤسسة بنك سانتاندير، التي أعادت تسمية المجموعة بـ”مجموعة جيلمان سانتاندير”. وتخطط المؤسسة لعرضها في فارو سانتاندير، المركز الثقافي الجديد الذي صممه المعماري البريطاني ديفيد تشيبرفيلد في مدينة سانتاندير بإقليم كانتابريا شمال إسبانيا.

ما أشعل فتيل الأزمة هو تصريح مدير فارو سانتاندير، دانيال فيغا بيريز دي أرلوسيا، لوسائل الإعلام الإسبانية، بأن المجموعة ستحظى بـ”حضور دائم لكنه ديناميكي” في المركز. استقبل المدافعون عن التراث المكسيكي هذه العبارة باعتبارها إقراراً ضمنياً بأن الأعمال لن تعود، وهو ما يتعارض صراحةً مع القانون المكسيكي.

في 18 مارس، نشرت مجموعة “ديفينسا دي لا كولكسيون جيلمان” رسالة مفتوحة على منصة e-flux، وقّعها ما يقارب 400 شخصية ثقافية مكسيكية. وتزعم الرسالة أن نقل المجموعة إلى إسبانيا ينتهك قانون التراث الثقافي المكسيكي. ومن أبرز الأعمال المتنازع عليها 11 لوحة لكاهلو، من بينها “صورة ذاتية مع القرود” (1943) و”دييغو في ذهني” (1943)، اللتان وصفهما موقّعو الرسالة بأنهما “تحفتان لا غنى عنهما لفهم المسار الفني لكاهلو وعالمها الفكري”.

والسبب قانوني في جوهره: فبموجب مرسوم رئاسي صدر عام 1984، صُنِّفت أعمال فريدا كاهلو ضمن “الآثار الفنية الوطنية”، مما يحظر تصديرها بصفة دائمة، حتى وإن كانت مملوكة لجهات خاصة. وقد كشفت التقارير أن اتفاقية سانتاندير تمتد حتى عام 2030 مع إمكانية التمديد بالتراضي، وهو ما يثير قلقاً بالغاً في أوساط المعارضين. وقال المؤرخ فرانسيسكو بيرسونزا، أحد الموقّعين الرئيسيين على الرسالة، لصحيفة الغارديان إن المرسوم “صُمِّم تحديداً لإحكام الحماية على المجموعات الخاصة، ولهذا ندافع عنه بكل قوة.”

يكتسب هذا النزاع بعداً هووياً عميقاً يتجاوز الجدل القانوني. فكاهلو ليست مجرد أيقونة فنية عالمية، بل هي رمز للنضال النسوي والحقوق الأصلانية والمقاومة الثقافية في المكسيك. ويرى مؤيدو الاحتجاج أن تسليم لوحاتها إلى مصرف إسباني لعرضها في متحف أوروبي يمثل خيانة لروح ما جسّدته طوال حياتها.

في مواجهة العاصفة، حاولت الحكومة المكسيكية تهدئة الأجواء. دافعت الرئيسة كلوديا شينباوم عن الاتفاقية مؤكدةً التزام السلطات بالقانون، فيما أصرّت وزيرة الثقافة كلوديا كوريل دي إيكاثا في مؤتمر صحفي عقدته في 30 مارس على أن المجموعة “لم تُبَع، وإنها تُعرض مؤقتاً فحسب”، مشيرةً إلى أن الأعمال ستعود إلى المكسيك بحلول عام 2028. كما أصدر بنك سانتاندير بياناً أكد فيه أن الاتفاقية “لا تعني نقلاً دائماً” للأعمال خارج المكسيك.

غير أن هذه التطمينات لم تُقنع المعارضين. إذ تشير التقارير إلى أن الاتفاقية تمتد حتى 2030، مع إمكانية التجديد، وهو ما يناقض جوهرياً الضمانات الرسمية التي أعلنتها الحكومة. وفي خطوة وصفها المراقبون بأنها تنازل جزئي، أعلن بنك سانتاندير تأجيل افتتاح فارو سانتاندير من يونيو إلى سبتمبر، استجابةً لطلب الحكومة المكسيكية، بهدف إتاحة المزيد من الوقت لعرض المجموعة أمام الجمهور المكسيكي في متحف الفن الحديث بمكسيكو سيتي. وقد استقطب هذا المعرض، الذي انطلق في منتصف فبراير ويضم نحو 70 عملاً، ما يقارب 120 ألف زائر، في سابقة هي الأولى منذ ما يقارب عقدين من الزمن.

تتجاوز هذه القضية نطاق الخلاف الثنائي بين مصرف إسباني ومثقفين مكسيكيين. إنها تكشف عن تناقض بنيوي في عصر العولمة: بين منطق سوق الفن الدولي الذي تتنقل فيه المجموعات وفق مصالح أصحابها المالية، وبين الحاجة الماسّة إلى حماية الموروث الثقافي بوصفه ملكاً مشتركاً لشعب بأكمله. وقد ساقت الرسالة المفتوحة سؤالاً يلخص الأزمة: “كيف يثق المكسيكيون بمصرف يختار، بقراراته، أن يحرمهم من تراثهم الثقافي؟”

تتواصل المفاوضات بين الحكومة المكسيكية وعائلة زامبرانو وبنك سانتاندير بعيداً عن الأضواء، في ظل ضغط متصاعد من المجتمع المدني. ويطالب الموقّعون على الرسالة المفتوحة بنشر بنود الاتفاقية كاملة، وإجراء استشارة عامة حول مستقبل المجموعة، وبخاصة ضمان رسمي بأن الأعمال المصنّفة آثاراً وطنية لن تغادر المكسيك نهائياً. وقد يُرسي مآل هذه القضية سابقة قانونية بالغة الأثر في مجال حماية التراث الفني اللاتيني الأمريكي في مواجهة نفوذ المؤسسات المالية الكبرى.

Deja una respuesta

Tu dirección de correo electrónico no será publicada. Los campos obligatorios están marcados con *